الشيخ الطبرسي

287

تفسير مجمع البيان

الله ، كما سمي روح الله ، لأن الناس كانوا يحيون به في أديانهم كما يحيون بأرواحهم . وكان يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر ، وكلف التصديق به ، فكان أول من صدقه ، وشهد أنه كلمة الله وروحه ، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى " عليه السلام " ، وأقوى الأسباب لإظهار أمره ، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه وزهده . ( وسيدا ) في العلم والعبادة ، عن قتادة . وقيل : في الحلم والتقى وحسن الخلق ، عن الضحاك . وقيل : كريما على ربه ، عن ابن عباس . وقيل : فقيها عالما ، عن سعيد بن المسيب . وقيل : مطيعا لربه ، عن سعيد بن جبير . وقيل : مطاعا عن الخليل . وقيل : سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم عن الجبائي . والجميع يرجع إلى أصل واحد وهو أنه أهل لتمليكه تدبير من يجب عليه طاعته ، لما هو عليه من هذه الأحوال . ( وحصورا ) : وهو الذي لا يأتي النساء ، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة ، وهو المروي عن أبي عبد الله ، ومعناه أنه يحصر نفسه عن الشهوات أي : يمنعها . وقيل : الحصور الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل ، عن المبرد . وقيل : هو العنين ، عن ابن المسيب والضحاك . وهذا لا يجوز على الأنبياء ، لأنه عيب وذم ، ولأن الكلام خرج مخرج المدح ( ونبيا من الصالحين ) أي : رسولا شريفا رفيع المنزلة من جملة الأنبياء ، لأن الأنبياء كلهم كانوا صالحين . وفي هذه الآية دلالة على أن زكريا إنما طمع في الولد ، لما رأى تلك المعجزات ، وهو إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على أن يخلق الولد من العاقر ، فقد كان يجوز أن لا يفعل في لك لبعض التدبير . فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها ، قوي ظنه في أنه يفعل ذلك إذا اقتضته المصلحة ، كما أن إبراهيم وإن كان عالما بأنه تعالى يقدر على إحياء الموتى ، سأل ذلك مشاهدة ، ليتأكد معرفته . وفيها دلالة على أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى على العبد ، فلذلك بشره به . ( قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء [ 40 ] ) . اللغة : العاقر من الرجال : الذي لا يولد له ، ومن النساء : التي لا تلد .